تحت هذه التغريدة سوف استعرض -في سردٍ تاريخي مطوّل-قصة الإسكان في بلادنا، وكيف تعامل الآباء والأجداد مع مشاريع السكن قبل سبعين عامًا إلى يومنا هذا، كيف أثرت الهندسة المعمارية على عاداتنا وماهي الأطوار التي مر بها المسكن...اطلالة تاريخية ورصد مجتمعي احفظها إن كانت من اهتماماتك..
مرّت المملكة قبل توحيدها عام (١٣٥١ه) بمراحل التأسيس والوحدة، وكان معظم سكانها آنذاك يقطنون البوادي والأرياف، وقبل قرابة مائة عام بدأ الملك عبد العزيز ببرنامج توطين البادية، وفي مطلع القرن العشرين قدّر الباحثون عدد سكان المدن بما لا يتجاوز ١٠٪ من إجمالي السكان
في سنة توحيد البلاد (١٣٥١) زاد عدد سكان المدن إلى ٢٠٪، كما قُدّر العدد الإجمالي للسكان آنذاك بين (١,٥ - ٢) مليون، في حين بلغ عدد السكان عام ١٩٧٤ سبعة ملايين منهم ٤٦٪ يسكنون المدن و٢٨٪ يسكنون الأرياف وفي البوادي ٢٥٪
زاد عدد السكان عام ١٩٨٧ إلى ١١ مليون نسمه منهم ٦٥٪ من سكان المدن ٣٥٪ من سكان البوادي والقرى وبموجب معايير الأمم المتحدة أصبح في المملكة ٤٠ مدينة يزيد سكانها عن عشرين ألف نسمة وإلى عام ١٩٩٢ وصل العدد إلى ١٧ مليون نسمة. لاحظ نسبة التحول المدني خلال العقود التي تلت توحيد البلاد..
كانت المنازل قبل توحيد البلاد تختلف من منطقة لأخرى نظرًا لتعدد أقاليم المملكة، فالمباني في الحجاز عُرفت ببناء الحجر وتعدد الأدوار وسعة النوافذ والمشربيات، كما عرفت بخلوّ كثيرٍ منها -لا سيما داخل المدن- من الأحواش، حيث استعاضت عن ذلك بالارتفاع الرأسي وتعدد الأدوار
قريب منها كانت المدن الجنوبية، بيد أن هذه الأخيرة امتازت بالإبداع البصري وفنون النحت والتلوين والديكورات الجبسية، حيث يبدأ المسكن من قاعدة مربعة تصغُر كلما زاد علوّ المبنى، وفي الأرياف أقصى جنوب المملكة تنتشر منازل العريش والبنايات الصغيرة المتوائمة مع البيئة المناخية للمنطقة..
في المنطقة الوسطى وباقي المناطق غلب البناء الطيني (اللبن)الذي قلما يرتفع علوه لأعلى من طابقين، بيد أنه يمتاز بسعة الفناء الداخلي والخارجي، وفي المنطقة الشرقية يستبدل أحيانًا الطين بالحجر نظرًا لعامل الرطوبة، كما تنتشر فيها ملاقيف الهواء وتركت لكم هنا قصتها https://www.alriyadh.com/85494...
بعد توحيد البلاد بسبعة أعوام تم اكتشاف النفط الذي نتج عنه تحولًا ديموغرافياً في معظم أرجاء المملكة، حيث زاد الزحف نحو المدن،كما زادت الاعتمادات المخصصة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومن عوامل هذا النمو زيادة المستوطنات الصغيرة وظهور مدن جديدة، حيث بدأ التعامل مع الحياة المدنية.
شهدت مرحلة ما بعد النفط التقدم المتسارع للتعاطي مع الحياة المدنية... أصبح الأهالي يتعاملون مع الآلة والطُرق المعبدة، كما أصبحت السيارة والثلاجة والدافور وأجهزة التبريد واقعاً معاشاً في المدن والقرى.. في التغريدات المرفقة تركت لكم قصة أجدادكم مع الأجهزة الكهربائية..
ساهمت عوائد النفط والتنظيمات الإدارية العليا، ممثلةً بتأسيس مجلس الوزراء، مطلع عهد الملك سعود، بتبني الخطط الحديثة لبناء المدن والأحياء الجديدة، التي جاءت أولى ثمراتها في العاصمة الرياض،حيث انتقلت المؤسسات القديمة للدولة إلى الرياض التي شهدت أيضًا استحداث عددٍ من الوزارات الجديدة
رافق انتقال موظفي مؤسسات الدولة إلى مقارّ أعمالهم الجديدة في الرياض، استحداث عددٍ كبيرٍ من الوظائف جراء تأسيس الوزارات الجديدة، وتزامن ذلك مع ازدحامٌ في العاصمة التي شهدت هجرةً مضاعفةً من قبل المواطنين، ما ساهم في ارتفاع أسعار العقارات بشكلٍ غير مسبوق
حينها اقترح أمين مدينة الرياض آنذاك الأمير فهد آل فرحان بناء مدينة جديدة لموظفي الدولة، تكون متاخمة للرياض القديمة، ولقي هذا المقترح قبولًا من الملك سعود، الذي عمّد ابن فرحان، بناء حي الملز الذي أُطلق عليه (الرياض الجديدة) أو (مدينة الموظفين)، فكان باكورة مشاريع الإسكان في الرياض
ساهم خيرات الله الممثلة بتدفق كميات النفط من باطن الأرض بتوسع عقود المملكة مع شركة أرامكو، ما نتج عن هذا التوسع نشوء عددٍ من المدن الصناعية والسكنية التي شهدت زحفًا سُكانيًّا ملأ فضاء المنطقة الشرقية في بلادنا، تبعه توسع في المنطقة الشمالية حيث خطوط التابلاين..
في عام ١٩٣٨ عمدت أرامكو إلى بناء المساكن الجاهزة كمناطق سكنية لعمالها وموظفيها، وبعدها بعام شُيدت مدينة راس تنورة، وفي سنة ١٩٤٤ تم بناء منطقة سكنية في موقع مدينة أبقيق، ومع حلول عام ١٩٥٢ قامت مدينة رحيمة ومدينة بقيق نفسها..
زادت المدن والمجمعات السكنية فمع حلول عام ١٩٥٦ توسعت مدينة الدمام التي كانت عبارة عن قرية صغيرة كما قامت مدينة الخبر وتوسعت مدن أخرى كالجبيل وسيهات وصفوى أصبحت هذه المدن لاسيما الصناعية منها محط أنظار اليد العاملة من المواطنين..
سكن عمال أرامكو البيوت الجاهزة وتعاملوا مع مظاهر الحياة المدنية فأصبحوا يتنقلون بالسيارت وينامون تحت أزيز المراوح،وظل شاعرهم يردد: ياعبيد وان نشدوا عنّا عمال في راس تنور شط البحر قبلة منّا بديار من يلعب الكورة من فوق سفن يشيلنا عمال والنفس مخطورة قله ترانا تمدنا كلن يولع بدافوره
قامت المدن الجديدة قبالة واحات النفط المتدفق، فكانت إحدى أوسع عمليات الإسكان في الشرق الأوسط، وشهدت هذه المدن تخطيطًا مدنيًّا حديثًا، تزامن مع نهضةٍ تجاريةٍ وتحولاتٍ مجتمعية، توسعت فيها المؤسسات التعليمية والصحية والقطاعات الأمنية، لتواكب معدلات الهجرة نحو منظومة المدن المستحدثة
في الرياض كلَّف بناء مدينة الموظفين الجديدة الذي عُرف فيما بعد بحي الملز (٥٦,٠٠٠,٠٠٠) ريال، حيث بدأ المشروع من عام (١٣٧٤)، وانتهى قرابة عام (١٣٨١)، وجاء على ثلاثة نماذج: فيلة كبيرة من طابقين فيلة وسط من طابق ونصف فيلة صغيرة من طابق واحد وزعت على حسب المراتب الوظيفية..
تخللتها شوارع واسعة بعرض (٦٠م) و(٤٠م) و(٣٠م)، وهي مساحاتٌ لطرقٍ واسعةٍ جدًّا في قياسات ذلك الزمن كما تمّ توزيع المشروع على أربع شركاتٍ هي: البحر الأحمر (٥٠٠ منزل) و(٣٠٠ شقة) عرين (٣٥٠ منزل) و(٣٦٠ شقة) الزهراء (٢٠٠ منزل) السعودية (١٠٠ منزل)
لم تكن مدينة الموظفين أو الرياض الجديدة المشروع الوحيد في عهد الملك سعود، بل تبع هذا المشروع، مشاريع أخرى في عددٍ من الأقاليم، بيد أن أبرز مشاريع الإسكان كانت في مدينة الرياض، في حين كانت معظم مشاريع المدن الأخرى، متمثلة في شقّ الطرق وبناء البُنى الأساسية لتوسعة المدن القائمة..
في مبادرة أخرى طلب الأمير فهد الفرحان، من الملك سعود بناء حي جديد لعدد من المواطنين، الذين نزلوا العاصمة ولم يجدوا سكناً لهم، فاكتفوا بالخيام والمنازل العشوائية جنوب الرياض، ليأمر الملك سعود بإنشاء حي سكني جديد، سُمي آنذاك مدينة البادية بمساحة (٩كلم٢) وهو حي منفوحة الجديدة حالياً
لعلنا نقسّم التاريخ العمراني للمملكة إلى ثلاث مراحل هي: - مرحلة توحيد البلاد من عام ١٣١٩-١٣٥٨ الموافقة (١٩٠٣-١٩٣٨) وهي المرحلة التي تخللتها مشاريع توطين البادية وبناء المنظومة السياسية للبلد، وانتهت بظهور وتدفق النفط..
مرحلة ظهور النفط ١٣٥٩-١٣٩٣ الموافقة (١٩٣٩-١٩٧٣)وشهدت البناء الإداري والمدني لبلادنا كما شهدت ظهور المدن والتجمعات السكانية في عددٍ من المناطق، لاسيما في الشرقية، إضافة إلى بناء مشاريع الإسكان العسكري والمدني في عددٍ من المدن، والتعاقد مع شركات البناء المحلية والعربية والأجنبية..
منح التجار تراخيص لشركات المقاولات ومصانع الإسمنت وكسارات الحجر، وبدأ التحول التدريجي من البناء التقليدي إلى البناء الـمُسلح الذي كان في معظمه يُبنى على الصامت من دون أسوار وعبر منازل صغيرة متلاصقة، مثّلت الوجه المدني لمعظم أحياء مدن المملكة من الخمسينات إلى السبعينات الميلادية..
كانت هذه المنازل في معظمها لا تتجاوز في مساحتها (١٥٠م٢)، وكانت تستعيض الفناء المنزلي بما يسمى (بطن الحوي)، أما في مناطق الحجاز وعسير وباقي المناطق الجنوبية فكانت -كما ذكرنا- بناءً علوياً بالأدوار المتعددة يأتي عوضًا عن التوسع الأفقي للمنازل..
كما رافق مرحلة اكتشاف النفط بناء مدن ومجمعات وواحات سكنية في الشمال والشمال الشرقي من المملكة، لاسيما تلك التي ارتبطت بمحطات خط "التابلاين" الذي ساهم بتقليص حجم عدد من المدن لصالح مدن أخرى قامت على مسار هذا المشروع كمدينة رفحاء وعرعر وطريف وغيرها من المدن..
شهدت مدن "التابلاين" تسارعًا مضطردًا للتعايش مع المدينة العصرية، لاسيما أبناء المنطقة الشمالية، الذين سبقوا غيرهم التعاطي مع مخرجات التقنية والتعايش مع أسلوب المدنيّة الحديثة، حيث نقلت عدسات التصوير صور أبناء هذه المدن، وهم يلعبون بالصالات المغلقة ويسكنون الوحدات السكنية الفارهة.
أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة الطفرة التي بدأت من (١٣٩٣-١٤٠٣) حيث شهدت القفزات المتتالية والمشاريع المتوالية التي تمثلت في توقيع عددٍ من عقود البناء وتعبيد الطرق ونقل خدمات الماء والهاتف والكهرباء عبر الكابلات والأنابيب تحت الأرض تركت في الرابط القصة كاملة https://x.com/mansoralassaf/st...
كما شهدت توقيع عدد كبير من مشاريع الإسكان، كمشاريع وزارة الدفاع والأمن الداخلي والحرس الوطني،ووزارة الخارجية ومؤسسة النقد والخطوط السعودية وعدد من الجامعات في مكة المكرمة والمدينة المنورة والرياض والمنطقة الشرقية وغيرها،وهي مشاريع كبرى نفذت معظمها شركات كورية ارتبطت بمرحلة الطفرة
كانت أولى ثمرات مرحلة الطفرة الاقتصادية بالنسبة لملف الإسكان، تتمثل في تحويل الإدارة العامة للإسكان -التي استُحدثت عام (١٣٩١) ضمن الهيكل الإداري لوزارة المالية- إلى وزارة الأشغال العامة والإسكان عام (١٣٩٥) لذا فقد شهدت هذه المرحلة بناء أكبر عدد من المجمعات والأحياء السكنية..
قبل هذا التاريخ كان وزير الداخلية الأمير فهد (الملك فيما بعد) قد وقع عقداً في شهر رمضان عام 1387هـ مع مكتب المهندس الأمريكي الجنسية يوناني الأصل "دوكسيادوس"، وذلك لتخطيط عدد من مدن المملكة..كانت الشؤون البلدية آنذاك تحت منظومة وزارة الداخلية.. الصور المرفقة لخارطتي الرياض والطائف





















































































