جايز نيتشة يكون كلامه فيه شئ من الصحة. بعد تأصيله لمبدأ أخلاق السادة وأخلاق العبيد وجعله جوهر الحياة هو إرادة القوة. وإن الأخلاق مصدرها الإنسان، الإنسان فقط لا العقل الفِطري"الكانطي" ولا بمصدر إلهي "معتنقي الأديان". فمصدر الأخلاق عنده يا إما السادة أو العبيد. أخلاق السادة وضعها
السادة بعد إدراكهم بوجود مسافة شاسعة بينهم وبين العبيد وإدراكهم لأنفسهم ومصادر قوتهم وما يعينهم على البقاء ويملأ حياتهم. وعلى النقيض تماماً العبيد وشعورهم بالغضب المتراكم بغرض الإنتقام نتيجة إستباحة السادة وإرهاقهم لهم وحب إظهار السيطرة عليهم. ونتيجة للإستباحة
المتكررة من السادة وعدم قدرة العبيد على رد الإهانات القاسية وعدم قدرتهم على التحمل بعد تراكم وكبت، بتحصل ثورة العبيد على أخلاق السادة وبيتم إستبدال قيم السادة، فيتم إستبدال القوة بالتواضع والسيطرة بالزهد والهيمنة بالتسامح والفروقات الفردية بالمساواة الزائفة وتغليب الكم على الكيف.
وهي دي باختصار خلاصة ثورة العبيد على الأخلاق النبيلة"أخلاق السادة" وبرغم كل ما سبق.نيتشه بيعتقد إن الإنسان عموماً مهما فعل ومهما تراكمت الحُجب ومهما كانت ظروفه فطابعه الغريزي هو إرادة القوة السيطرة مهما أنكر. بما فيهم طبقة العبيد؟ بالظبط بما فيهم طبقة العبيد ،قد يكون الأمر غير
منطقي لعدم تصور القوة وإرداتها في طبقة العبيد، لكنه بيعود في مواضع أخرى ليدلل على ما سبق. ويرى إنه مهما فتشت في مظاهر الحياة فلن تجد إلا تجليات مظاهر إرادة القوة. "إن السعادة بوصفها الشعور الحي كل الحياة بالقوة، ((لم يكن في مكان آخر غير في قلوب الزهاد)) المؤمنين بالمعجزات"
سواء انغمست في ملذات الحياة أو زهدت فيها تعاملت مع الناس بالخير أو الشر في كلتا الحالتين كإنسان فأنت بتمارس إرادة القوة وإن لم تشعر. الزاهد يشعر بالسعادة في تعذيبه لنفسه ويتكلف الكثير من التعب والكثير من الشجاعة كذلك، ولكن ليتغلب ويسيطر على نفسه.أي واقعاً أخضع نفسه. أما المِقدام
المنحدر من طبقة السادة فهو كذلك سعى لإرادة القوة ولكنه أخضع غيره. الأول يشعر بالقوة رغم إنه ظاهراً أعلن عليها الحرب والثاني بيشعر بنفس الشعور وهنا الفكرة، وهو ما أشرنا له بمصطلح ثورة العبيد. وما أشار إليه كمثال بثورة اليهود على الرومان وقلب المعادلة بين خير=قوي=محبوب من الله
إلى خير=ضعيف=بائس=مملوء بالخطايا. وهو الميراث اللي ورثته المسيحية كحامل للتراث اليهودي فيما بعد. المغذى من كل ما سبق إن جوهر الخضوع أحياناً بيكون (مجرد وسيلة) للحصول على الشعور(بالقوة).أي آلية دفاعية Defensive mechanism والملاحظة الأهم هي محاولة إسقاط كل ما سبق على واقعنا وحياتنا
نيتشة أسقطها على سلوك المتدينين بالمعنى الأعم "أي معتنقي الأديان" من وجهة نظره. حتى وإن كنا لا نوافق نيتشة لا في المقدمات ولا في النتائج ولا في تفسيره للظاهرة الدينية ككل. لكن ملحظ مهم جداً وأزعم إنه أضاف لي عمق في تحليل ظواهر منتشرة داخل التدين(بالمعنى الأخص)
كظاهرة وسلوك يتضمن إتجاهات متفاوتة ومذاهب شتى، لكن واقعاً كلامه يصدق كذلك على التيارات الحداثية. الغريب في طرحه إنه بيجعل تيارين بينهما أشد التنافر-التيار الديني واللاديني الحداثي-متفقين من حيث الجوهر. اللي بيتشدد ويفني عمره في التضييق وتوسيع دائرة "الشعور بالذنب" وكذلك في
علاقته ونظرته للآخر بيحمل تراكمات من كل ما سبق.مع تضييق نطاق الحاجات الإنسانية وكبتها بل ومحاربتها وجعلها علامة على الرذيلة وتمجيد كل ما يضادها. ونقيضه تماماً المنحل المنغمس في الشهوات اللي بيمارس نفس الميكانيزم لكن في الإتجاه المعاكس بداية من تقديس مبدأ الفردية والحريات الفردية
وحصر الحياة في العالم المادي وجعلها بلا أي غاية وبالتالي ما ثم طريق إلا تحصيل أكبر قدر من الملذات خلال فترة عمر الإنسان المحدودة.وجعل ما سبق جوهر الحياة إن اعتقد إن لها جوهر أصلاً. ودي صدمة معرفية في حد ذاتها من حيث تحليل الظاهرتين وبتجرنا خطوة للخلف علشان نناقش موقفنا من
المبدأ السابق بشكل واضح بدون تنكر أو اختلاق عداوة وهمية ونبذه ولكن في نفس الوقت سواء بوعي أو لا وعي تطبيقه وهي دي الفكرة. طبعاً فيه فروقات دقيقة بين ما ذكرته كتيار مادي حداثي وبين فلسفة نيتشة للحياة وإن اشترك الفريقان الفلسفة المادية لكن ما علينا من الفروقات حالياً لأن الغرض
تسليط الضوء على نقطة معينة فقط.
